محمد سعيد رمضان البوطي

68

فقه السيرة ( البوطي )

ثم لما أربى الذين دخلوا في الإسلام على الثلاثين - ما بين رجل وامرأة - اختار لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دار أحدهم ، وهو الأرقم بن أبي الأرقم ، ليلتقي بهم فيها لحاجات الإرشاد والتعليم ، وكانت حصيلة الدعوة في هذه الفترة ما يقارب أربعين رجلا وامرأة دخلوا في الإسلام ، عامتهم من الفقراء والأرقاء وممن لا شأن له بين قريش « 1 » . العبر والعظات : 1 - وجه السرية في بدء دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام : لا ريب أن تكتم النبي صلى اللّه عليه وسلم في دعوته إلى الإسلام ، خلال هذه السنوات الأولى ، لم يكن بسبب الخوف على نفسه ، فهو حينما كلف بالدعوة ونزل عليه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) . . [ المدثر : 1 و 2 ] علم أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس ، وهو لذلك كان يوقن بأن الإله الذي ابتعثه وكلفه بهذه الدعوة قادر على أن يحميه ويعصمه من الناس ، على أن اللّه عز وجل لو أمره من أول يوم أن يصدع بالدعوة بين الناس علنا ، لما توانى عن ذلك ساعة ، ولو كان يتراءى له في ذلك مصرعه . ولكن اللّه عز وجل ألهمه - والإلهام للرسول نوع من الوحي إليه - أن يبدأ الدعوة في فترتها الأولى ، بسرية وتكتم ، وأن لا يلقي بها إلا من يغلب على ظنه أنه سيصيخ لها ويؤمن بها ، تعليما للدعاة من بعده ، وإرشادا لهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة ، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها ، على أن لا يتغلب كل ذلك على الاعتماد والاتكال على اللّه وحده ، وعلى أن لا يذهب الإنسان في التمسك بهذه الأسباب مذهبا يعطيها معنى التأثير والفعالية في تصوره وتفكيره ، فهذا يخدش أصل الإيمان باللّه تعالى ، فضلا عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام . ومن هنا تدرك ، أن أسلوب دعوته عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة ، كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إماما ، وليس من أعماله التبليغية عن اللّه تعالى بوصف كونه نبيا . وبناء على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية ، في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة - من حيث التكتم والجهر ، أو اللين والقوة - حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه ، وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية ، اعتمادا

--> ( 1 ) راجع للتوسع في هذا البحث سيرة ابن هشام : 1 / 249 - 261 .